ابن الجوزي

33

فضائل القدس

بالآيات المقروآت على النسق مرة أخرى . فأرسلت وابلها العيون ، وأبدت النفوس سرّ شوقها المكنون ، وتطارح الناس عليه بذنوبهم معترفين ، بالتوبة معلنين ، وطاشت الألباب والعقول ، وكثر الوله والذهول ، وصارت النفوس لا تملك تحصيلا ، ولا تميز معقولا ، ولا تجد للصبر سبيلا . ثم في أثناء مجلسه ينشد بأشعار من النسيب مبرحة التشويق ، بديعة الترقيق ، تشغل القلوب وجدا ، ويعود موضوعها النسيبي وهدا . وكان آخر ما أنشده من ذلك وقد أخذ المجلس مأخذه من الاحترام ، وأصابت المقاتل سهام الكلام : أين فؤادي أذابه الوجد * واين قلبي فما صحا بعد يا سعد زدني جوى بذكرهم * باللّه قل لي فديت يا سعد ولم يزل يرددها والانفعال قد أثر فيه ، والمدامع تمنع خروج الكلام من فيه ، إلى أن خاف الافحام ، فابتدر القيام ، ونزل عن المنبر دهشا عجلا ، وقد أطار القلوب وجلا . وترك الناس على أحرّ من الجمر ، يشيعونه بالمدامع الحمر . فمن معلن بالانتخاب ، ومن متعفر في التراب . فياله من مشهد ما أهول مرآه ، وما أسعد من رآه . نفعنا اللّه ببركته ، وجعلنا ممن فاز به بنصيب من رحمته . بمنّه وفضله . وفي أول مجلسه أنشد قصيدا نير القبس ، عراقي النفس ، في الخليفة أوله : في شغل من الغرام شاغل * ما هاجه البرق بسفح عاقل يقول فيه عند ذكر الخليفة : يا كلمات اللّه كوني عوذة * من العيون للامام الكامل ففرغ من إنشاده وقد هزّ المجلس طربا ، ثم أخذ في شأنه ، وتمادى في ايراد سحر بيانه ، وما كنّا نحسب أن متكلما في الدنيا يعطى من ملكة النفوس والتلاعب بها ، ما أعطي هذا الرجل فسبحان من يخص بالكلام من